كلنا نُحب الواثقين. أولئك الذين يتحدثون بثبات، ويمشون وكأن الطريق يعرفهم.
لكن، في الميدان الإبداعي تحديدًا — حيث تتلاقى الفكرة مع التنفيذ — تظهر الحاجة للتفريق بين نوعين من الثقة:
ثقة الشخصية، وثقة الفكرة.
ثقة الشخصية تجعلك حاضرًا، مقبولًا، قادرًا على التأثير داخل الفريق.
أما ثقة الفكرة، فهي التي تدفعك للمبادرة، ولتنفيذ مشروع إبداعي دون خوف من الفشل أو رفض الآخرين.
الخلط بين النوعين قد يُربك الحكم.
فقد يبدو شخصٌ شديد الثقة بنفسه، لكنه لا يثق بفكرته كفاية لتخوض النور.
وقد يكون آخر هادئًا، مترددًا في الظهور، لكنه يحمل فكرة ناضجة، نادرة، وشجاعة.
في فرق الإبداع، يُحتفى غالبًا بمن يتكلم بثقة، لا بمن يُفكّر بعمق.
فينجرف الفريق خلف صوتٍ واثق، ويُهمل فكرة أهدأ… لكنها أصدق.
وهنا، نُذكّر بما نقوله في “مجهر”:
“الثقة الحقيقية لا ترفع الصوت، بل ترفع القيمة.”
المبدع الحقيقي يُراجع نفسه دون أن يُقلل من شأنها،
ويُميّز بين غرور الإقناع، وجرأة الإبداع.
فلا تجعل ثقتك الشخصية تسرق منك لحظة التوقف والتفكير،
ولا تسمح للشك أن يُلغي فكرة قد تستحق الظهور.
الثقة ضرورية، نعم.
لكنها لا تكفي وحدها.
ففي ساحات الإبداع، لا يعلو الصوت… بل ينجو الصدق
في عالم تتدفق فيه رسائل التشجيع كالسيل، وتُصفّق المنصات لكل من ينهض باكرًا، ويعمل أكثر، ويتجاوز نفسه يومًا بعد يوم… أصبح من الصعب تمييز الخيط الرفيع بين التحفيز البنّاء، وبين الضغط المبطّن.
في البداية، يبدو التحفيز وكأنه شعلة لطيفة تُنير الطريق. دفعة صغيرة تُساعدك على التحرك، وتقول لك بلُطف: “أنت قادر، تقدّم”. لكن ما إن تتحوّل هذه الشعلة إلى سيل لا يتوقّف من الشعارات، والسباقات، والمقارنات، حتى تبدأ طاقتك بالتآكل.
تجد نفسك تركض لا لأنك ترغب، بل لأن الجميع يركض.
تُطوّر نفسك لا حبًا في التعلّم، بل خوفًا من التأخر.
تُنجز، لا لتُعبّر، بل لتُلاحق ما لا يُدرك.
وهنا، نقولها في “مجهر”، مقولتنا التي نؤمن بها:
“ليست كل طاقة مستنفَرة دليل شغف،
وليست كل وقفة دليل كسل.”
قد تبدو الوقفة خمولًا، لكنها في جوهرها تأمل.
وقد يبدو الاندفاع حماسًا، لكنه أحيانًا هروب من مواجهة الذات.
أحيانًا، أكثر ما يحتاجه المبدع هو التوقف.
أن يُنصت لصوته الداخلي وسط ضجيج الإنجاز المستمر.
أن يسأل: “هل هذا السعي يشبهني؟ هل هذه الطريق تُشبه حلمي؟”
التحفيز الحقيقي لا يُربكك. لا يجبرك على ما لا تريد.
بل يذكّرك بما أنت عليه، ويدعوك برفق إلى النمو لا إلى الاستنزاف.
في زمن تُقاس فيه الجدارة بعدد المهام، وعدد الإيميلات، وعدد الساعات، لم يعد السؤال: “ما الذي أنجزته؟”
بل أصبح: “كم أنجزت؟” — بغض النظر عن لماذا أو كيف.
في البيئات الإبداعية تحديدًا، هذه السرعة تُربك.
الفكرة تحتاج مسافة، والعمق لا يُستخرج بدفعة استعجال.
ومع ذلك، يُدفع المبدع نحو تسليم “شيء” — أي شيء — طالما أنه تمّ في الموعد.
نُنجز.
نُنهي المهام.
نُسلّم المشاريع.
لكن كم مرة سألنا أنفسنا بعد ذلك:
“هل فهمت أصل المشكلة؟ هل هذه أفضل فكرة فعلاً؟ أم فقط أول فكرة خطرت لي؟”
في “مُجهر” نقولها بوضوح:
“السرعة تُنقذ الجدول، لكن العمق يُنقذ الفكرة.”
العمق لا يعني البطء، بل يعني التريّث الذكي.
أن تُمسك الفكرة لا لتركض بها، بل لتغوص فيها.
أن تُنجز، نعم، لكن عن وعي لا عن عادة.
التنفيذ السريع يبدو جذابًا… حتى يظهر أثره لاحقًا كحل سطحي، أو حملة لم تُحدث فرقًا، أو مشروع نُفّذ لأنه “كان لازم”، لا لأنه “كان يستحق”.
هل نرفض السرعة؟ لا.
لكننا نقاوم أن تكون هي المعيار الوحيد.
لأن الإبداع لا يُقاس بكم نُنتج، بل بما نُضيف
لا أحد يُبدع وسط الضجيج.
ولا تُزهر الفكرة في أرض مكتظّة بالأصوات والمشتتات.
المبدع، بطبيعته، يميل إلى الانسحاب المؤقت. لا هروبًا من العالم، بل اقترابًا من ذاته.
عزلته ليست غيابًا عن المشهد، بل اقترابًا من النُقطة التي تتكوّن فيها الفكرة… بهدوء.
نحن في “مجهر” لا نُشجّع الانقطاع، لكننا نُقدّر الابتعاد المنطقي
ذلك النوع من المسافة الذي لا يُطفئ، بل يُصفّي.
الذي لا يُبعدك عن العمل، بل يُقرّبك من جوهره.
“بعض المسافات لا تُفرّق… بل تُنضج”
في عزلة المبدع، يعود الصوت الداخلي واضحًا.
تقلّ المقارنات، وتخفت الأصوات الخارجية، ويعلو سؤال: “ماذا أريد أن أقول فعلًا؟”
تلك اللحظة هي بذرة كل عمل إبداعي صادق.
ليست كل عزلة صمت، وليست كل وحدة سكون.
بعض العُزلات صاخبة بالأفكار، مليئة بالملاحظات، غنية بالمراجعة.
وهناك فرقٌ كبير بين من يختار العزلة، ومن يتهرّب إلى الزحام.
فامنح نفسك مساحة تتنفّس فيها فكرتك،
دون استعجال، دون تصفيق، دون تقييم.
ففي العزلة… لا ينتظر منك أحد شيئًا،
وهنا بالضبط، تُبدع في كل شيء